ابن ميمون
210
دلالة الحائرين
العقل بل ضده ، وذلك أن العقل يفعل المركبات ويميّز أجزاءها ويجردها ويتصورها بحقيقتها وبأسبابها ، ويدرك من الشيء الواحد معاني كثيرة جدا متباينة عند العقل كتباين الشخصين من الناس عند الخيال في الوجود ، وبالعقل يميّز المعنى الكلّى من المعنى الشخصي . ولا يصح برهان من البراهين إلا بالكلي . وبالعقل يعلم المحمول الذاتي من العرضي ، وليس للخيال فعل شيء من هذه الأفعال . فان الخيال لا يدرك الا الشخصي المركب بجملته على ما أدركته الحواس ، أو يركّب الأشياء المفترقة في الوجود ، ويركب بعضها على بعض . والكل جسم أو قوة من قوى الجسم كما يتخيّل المتخيل شخص إنسان ورأسه رأس فرس وله أجنحته ونحو ذلك . وهذا هو الّذي يسمّى المخترع الكاذب ، لأنه لا يطابقه موجود أصلا ، ولا يقدر الخيال بوجه على التبرّؤ في إدراكه عن المادة ، ولو جرد صورة ما غاية التجريد ، فلذلك لا اعتبار بالخيال واسمع ما أفادتنا / العلوم الرياضية وما أعظم ما اتخذناه منها من المقدمات . اعلم أن ثم أشياء إن اعتبرها الإنسان بخياله فلا يتصورها بوجه ، بل يجد امتناع تخيّلها كامتناع اجتماع الضدين ، ثم صح بالبرهان وجود ذلك الأمر الممتنع تخيّله وابرزه الوجود . وذلك أنه إذا تخيّلت كرّة كبيرة أي قدر شئت ، ولو تخيلتها قدر كرة الفلك المحيط ثم تخيلت فيها قطرا يجوز على مركزها ثم تخيلت شخصين من الناس واقفين عل طرفي القطر حتى يكون وضع رجليهما عل استقامة القطر ، ويصير القطر والرجلان بخط واحد « 2131 » مستقيم . فلا يخلو ان يكون القطر موازيا للأفق أو غير مواز له . فإن كان موازيا ، سقطا جميعا وان كان غير مواز سقط أحدهما ، وهو الأسفل وثبت الآخر . هكذا يدرك الخيال ، وقد تبرهن أن الأرض كريّة ، وان من المعمورة على طرفي القطر وكل شخص من سكان الطرفين رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي رجلي الآخر المقاطر له ولا يمكن وقوع أحدهما بوجه ، ولا يتصور ، إذ ليس منهما واحد فوق وآخر أسفل ، بل كل واحد منهما فوق وأسفل الإضافة إلى الآخر .
--> ( 2131 ) واحد : ت ، - : ن